10 July, 2019

ميداء

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".

قصة من كتابة: سارة طاهر

 

لم يكن آدم يعرف بداية حياته كالجزء المقطوع، بالنسبة إليه هذه الحياة التي لم تبدأ إلا بلقائها، بارتباط روحها بروحه لِتُكمله، وكل ما كان من قبلها لم يكن معروفاً. هو باحث عن معنى الحياة، عن الطريق للحقيقة، ولكن ما هي الحقيقة التي يبحث عنها؟

في ليلة عاصفة ومظلمة - كرؤيته لنفسه – يكتب آدم في مدونته على ضوء مصباحه الباهت:

***

اليوم أنا أشعر بالضياع الشديد... في ظِل حياتي. أستمع لِألحانها وأنا أفكر في التي عزفت أحزانها ومن ثُمّ غابت. كنتُ أنا موجود كالكيان الفارغ… واليوم أشعر بأنني خسرت كل ما أملك، فهي لم تعد بجانبي، وأنا لم أعد أنا؛ لم تمنحني حتى فرصة لوداعها. كان رحيلها أكثر مما استطعت تحمله، وكأن اقتحامها لحياتي كان فقط ليذكرني بكل ما هو حزين ومؤلم.

جاءت لتوجعني وترحل.

كان لقائي بها من أغرب الصُدف في حياتي، حدث في يوم كنت أشعر فيه - مثل كلّ يوم - بالضياع الشديد.

دخلت مقهاي المعتاد، مواجِهًا وحدتي مثل كل ليلة، حتى دخلت هي، ذات العينان البنيتان، والابتسامة المضيئة. لم أرى مثلها في حياتي، وكُنتُ واثِقاً بأنني لن أرى مثلها أبداً.

جلَستَ بجانبي، نزعت معطفها، وبدت محتارة بعض الشيء فيما تطلب، فقلت لها: "لا يقدمون لك أفضل من القهوة السوداء، فهو ما يمثلني هذه الأيام.."

أصبت بالدهشة من تصرفي، لا أعلمُ ما هذا الشعور، لكن أظن أنني سأجازف معها كثيراً.

ابتسامتها أشعرتني بالوجود. كان هناك ما يميز ابتسامتها وكأنها مستثناة من كل القوانين، لا يحكمها نظام ما، ولا يقيدها شيء. هي مجرد ابتسامة مليئة بالإيمان.

لطالما شعرتُ بأن قلمي هو رفيقي الوحيد في الحياة، وأنني مدرك تماماً لما سأؤول إليه، ولكنني أيقنت منذ ذلك اليوم أن كل كتاباتي سَتُخلقْ من أجل ابتسامتها.

سألتني بسخرية: "ما خطبك؟ أشعر بغضبك وسلبيتك"، ثم نظرت في عيناي وقالت بكل هدوء: "من جمال الحياة أن الله يبعث في طريقك ما يوقظك بين الحين والآخر، أنتَ الذي ظننت لِوقتٍ طويل بأنكَ مستيقظ."

الآن أشعر بما كان يقصده جلال في شعره لِشمس؛ أشعر بلذة كلماته وهي تخرج من شفتيها.

أجبتها بأنني لم أعد أسمع الشِعر في أحاديثي اليومية، ولم أعد أشعر بفلسفة الكون في كل ما أمارسه، فكنت أحلم وأحلم، ولكن ضاعت أحلامي.

 

 

سألتني بسخرية: "ما خطبك؟ أشعر بغضبك وسلبيتك"، ثم نظرت في عيناي وقالت بكل هدوء: "من جمال الحياة أن الله يبعث في طريقك ما يوقظك بين الحين والآخر، أنتَ الذي ظننت لِوقتٍ طويل بأنكَ مستيقظ."

الآن أشعر بما كان يقصده جلال في شعره لِشمس؛ أشعر بلذة كلماته وهي تخرج من شفتيها.

أجبتها بأنني لم أعد أسمع الشِعر في أحاديثي اليومية، ولم أعد أشعر بفلسفة الكون في كل ما أمارسه، فكنت أحلم وأحلم، ولكن ضاعت أحلامي.

جرّتني من يدي للخارج في الجو الممطر، ونظرت في عيناي وقالت: "إنها تمطر، أليس كذلك؟" وكأنها تتوقع مني أن أناقضها.

هزّت يدي بقوة وصرخت: "أنتظر جوابك!"

"نعم؟" أجبتها بهدوء وارتباك.

"إذاً أنت على قيد الحياة، وهذا ما أعطاك الكون: حياة لتجعل منها ما تشاء. وإن أردت أحلامك الضائعة، فاسترجعها بنفسك! الكون لن يعطيك إياها بينما أنت جالس في مقهاك تحتسي القهوة السوداء وتنبُذ حظك!"

لم أستوعب ما حصل حينها، هل هذا فعلاً حقيقة؟

شدّت يدي مرة أخرى واستدارت: "ألن تدخل؟"

"بلى.." دخلنا المقهى وجلسنا في نفس المقاعد.

طلبت لنا الفتاة قهوة مليئة بالسكر والحليب، ثم بدأت تتكلم عن الشعراء، والفلاسفة، وعن الكون وكل ما فيه. كلما تحدثت تُهت في كلِماتها، وكأن بكل حرف تنطقه يسقط كل الفلاسفة في نظري، يتخبط العلماء، ويتلعثم الشعراء.

نظرت في عينيها وقلت بكل يقين: "لم أظن أنني خُلقت للكتابة، والآن أشعر وكأنني لم أخلق لغيره."

أخرجت من معطفي قلم، وكتبت على منديل للمقهى: "ينهار الكون كُله في وجودك، وفقط بيدكِ نستطيع ملامسة السماء."

أعطيتها المنديل وطلبت منها ألا تفتحه إلا إذا شعرت في يوم ما بأنها في نفس الحالة التي وجدتني بها. ابتسمت وأكملنا حديثنا حتى منتصف اللّيل.

يُدهشني أنّها لم تسأل عن اسمي، لكن ما يدهشني أكثر هو عدم جُرأتي على سؤالها عن اسمها، وكأننا نخاف من الأسماء. كلانا يفضل أن يتمسك بغموضه..

بالفعل أتساءل، من هي هذه الحسناء المجنونة؟ ما اسمها؟ وكيف لها أن تحدثني في يومي هذا؟

أشعر بأنني أغرق في بحر من الشغف، والحب، والتّوق.

قالت: "أعرف بأن هناك ما يربطنا."

لبست معطفها، ثم استدارت ورأيت ابتسامتها؛ كانت غريبة وجميلة، مثل انحلال ضوء الشمس حينما تراه في الأفق البعيد. أدركت وقتها بأنها ستكون مختلفة، بل أقسمت لنفسي أنها كذلك.

***

تقابلنا كل ليلة في نفس المقهى، وبدون أي موعد. كنت أجد نفسي مشتاقاً كل يوم للقائها، قلبي متيقناً بأنها هناك تنتظرني، بقصة جديدة، بشاعر آخر، بِفلسفة عتيقة لِتُعلمَني إيّاها.

ليس لديّ أدنى فكرة كيف أحببتها بلا حدود، وكأنني أبحث عن حقيقتي في كل ملامحها. فكل نظرة حكاية، وكل ابتسامة طبع. أنا لا أعرف عنها شيء، ولكن بها ومنها أعرف كُل شيء.

سألتها حينها: "من أي صنف أنتِ؟"

    • جاوبتني: "أنا لا أنتمي لأي صنف، أنا فقط أنا."

 

 

  • بكل ضحك قلت لها: "أنا وأنتِ جانحان بشدة، ومتمردان بشدة، نبحث عن شيء لا ندركه بلا خريطة، بلا خطة، وبلا أدنى فكرة."

أحبها بكل عنفوان، بكل جوارحي، وبكل ما يمثله الكون. فأنا لستُ غارق في حُبها، أنا أسمو به، أرتفع بوجودها فقط.

يصفو ذهني لوهلة ولا يدور به إلا فكرة واحدة: "لا أريد أن أكشف أسرارها، أو أعرف إلى ماذا ستؤول، أنا فقط أحتاج وجودها مخلدة في حياتي وفي هذا المقهى للأبد."

يشتتني أحيانًا جهلي باسمها، بعمرها، بمكان ميلادها وتاريخه، وبأي عمل تزاوله في الحياة. لا تجمعنا الحقائق، بل التخمينات الغامضة، والأمنيات الضائعة.

كانت تشعرني بوجود الله؛ وكأنها تعرف كل السبل المؤدية إليه، فأراقبها تصلي بعفوية لتنتهي من صلاتها وتخبرني بأنها أوصتهُ بي كثيراً.

"السكينة تحمل صلاتنا وترفعها لله،" كانت تُخبرني عن فلسفة جبران، "نحن، يا حبيبي، لا نستدل على الله. بل نستدل به على كل ما حولنا، وبكل ما نشعر به، وبكل ما يلقيه هذا القدر الكوني أمامنا."

أريد أن أفهم هذا المنطق اللامنطقي؟ كيف لها به؟ أريد أن أدرك مخزونها المليء بالتناقضات اللانهائية. أريد أن أدرك اسمها، وكأن شفتاي تتوق لندائها به. لم يعد يخيفني شيء بعد أن عرفتها سوى خسارتها، أن تعود هي للمجهول مثلما جاءت منه كان أمر لم أستطع احتسابه. فكلما أفتح باب المقهى أنظر بلهفة، وعندما لا أجدها أشعر بنبضات قلبي تتسارع.

يزداد توتري وقلقي دقيقة بعد أخرى، حتى تأتي مسرعة، معتذرة عن تأخيرها، فأستعيد حينها قدرتي على التنفس. أعلم بأنّ ليس هناك ما يجبرها على المجيء، غير أن قلبها أصبح معلق بقلبي.

أريد أن أسألها عن الكثير، أريد أن أصبح جزء أكبر من يومها، لكن لا قدرة لي بذلك لأننا "اتفقنا" أن تبقى كل الحقائق معلقة، أن نرضى بمصادفات القدر، وأن نعشق بعضنا بلا عناوين وبلا أسماء.

لكن امرأة مثلها متمردة، وأنا لا قدرة لي على تحمل غيابها. أغرمت بها حتى أصبحت أشُك في وجودها، وحُبها يشعرني بأنني على وشك الجنون..

قد لا يصدقني أحد، ولكنني أشعر بأنني ألامس السماء في حافة الكون عندما تكون بجواري.

أخبرت أصدقائي عنها، وعن صوتها العذب، وعبق الأدب الذي يفوح منها. أخبرتهم بأنها امرأة مستحيلة، حتى أنني أحيانًا أشعر بأنني فقط أتخيل وجودها، فبقيت لغز لم أستطع فك شفرته.

رأيتها اليوم التالي، بجوار المكتبة قبل لقائنا المتفق عليه. كنتُ كعابر السبيل عندما أخذت بيدي، وقبلتها.

 

 

لم أستطع عندها البقاء في المجهول، فسألتُها: "ما اسمُكِ؟"

صمتت، ثم قالت بغضب ساكن: "ألا يكفيك أنني هُنا؟"

جاوبتها بكل ألم: "يُكفيني يا جميلتي، لم يُكفيني شيئًا بقدر ما تُكفيني روحك.. ولكن…"

  • "ولكن ماذا؟ ألديك تساؤلات؟"

كنتُ خائفًا لأنني أشعر بأنني قاب قوسين أو أدنى من خسارتها.

فسألتها: "كيف تفعلين ذلك؟ كيف؟ كيف ظهرتي من اللاوجود؟ كيف تشعري بالهدوء مع كل هذا الحب المجنون؟ ولماذا تجيبين على أسئلتي بأسئلة؟"

بكل برود ردت: "ألم يقل فولتير بأن نحكم على الناس من خلال أسئلتهم وليس أجوبتهم؟"

  • "لكنني أصبحت أشك في كل شيء؟"

  • "هل تشك في ما تدركه حواسك؟"

  • "ساعديني."

  • "تذكر أن اليقين ادعاء، وكل ما حولنا مشكوك في حقيقته، حتى أنت."

ضممتها بشدة، وأخبرتها بأنني أحبها بأسرارها وغموضها. قبلت رأسها ثم تمعنت بملامحها لِأثبت صورتها في ذهني، وأخذتُ أدعو الله ألا أفقدها أبداً.

***

كتب آدم في مدونته:

هي لن تأتي بعد اليوم.

جزء مني متيقن بأنها قد شعرت بالخوف من الحب الذي أكنه لها، فهي بالنسبة لي ملجأ وملاذ، ولكنها ستعاقبني على أسئلتي بغيابها. سأبحث عنها في كل مكان.

أنتظرها هنا في المقهى يومياً بكل حزن وشوق، ولكن لا جدوى من الانتظار، فهي لن تظهر.

يستلقي آدم على سريره، وعلى ضوء مصباحه الباهت يكتب:

"اليوم أنا أشعر وكأنني ميت. قد أكون على قيد الحياة ولكن قلبي ميت.

لأسابيع أبحث عنها، عن صوتها، وجموح مشاعرها، وكل ما يربطها بالكون. لم أكن أعرف سوى أنها امرأة استثنائية، خُلقت مما لم يخلق منه بشر غيرها."

يخمن في أسباب غيابها، فيخرُ كاتباً: "تخميناتي تصر على أنها هاربة، وتبحث عن العشق في كونها. قد لا أعرفها إلا في كتاباتي، فهي هُنا لم ترحل ولكن هنا أيضاً لن تعود.

تتسرب الكآبة لي ببطء، فأشعر بخوفٍ يخنقني. أخاف أن أجدها ومن ثمّ تختفي مرة أخرى، ولكن مرت الأسابيع ولا أثر لها. أعتقد أنني شخص تنهكه البدايات والنهايات، رجل يخشى عشوائية القدر. أظنُ بأنني أخشاه لأن حبيبتي ضحية للقدر، يستطيع أن يأخذها مني، ويمنعها عني، ويئدها أمامي في أي وقت.

 

نهاية الجزء الرابع من القصة

Related Articles

Toyota Stories
13 March, 2019

أمنية

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".
Toyota Stories
09 April, 2019

من هي آتما ؟

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".
Toyota Stories
12 May, 2019

الظل الأسود

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".
Toyota Stories
13 June, 2019

البعد الخامس

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".