12 May, 2019

الظل الأسود

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".

قصة من كتابة: جواهر زهران

 

هب ريح الخريف العاصف وحرك أشجار الصنوبر الطويلة في غابة غويدير في ويلز. في وسط تلك الغابة، يوجد كوخ قديم منفرد في مكان محاط بالأشجار السميكة. يقال أن الكوخ يبلغ من العمر مئات السنين حيث بدت عليه علامات الزمن. كان الكوخ مصنوعا من خشب الصنوبر الذي أصبح متآكل ومغبر مع مرور الوقت. بالداخل كان الكوخ مليئاً بالأثاث القديم التالف، وتتراكم على جدرانه المتشققة شبكات العنكبوت المتناثرة. طلاء الجدران كان مقشراً بينما كانت الأبواب صدئة، والغبار يملأ كل زاوية من كل غرفة.

منذ سالف الزمان، ارتبط ذلك الكوخ الغابي بكثير من الأساطير والحكايات القديمة، منها الحكاية التي تروي بأن داخل الكوخ يوجد العديد من الجثث البالية التي قد تزال موجودة في مكان ما، وحسب تلك الأساطير يعود سبب وجود الجثث لحوادث اختفاء كل من تجرأ على دخول الكوخ. حتى الآن، لم يتم العثور على الأشخاص المفقودين بداخله أو حتى على جثثهم إن كانوا في عداد الموتى، ولكن جميع سكان القرية المجاورة اتفقوا على أن هؤلاء الأشخاص تم قتلهم.

أثار ذلك فضول المحققين حيث حاولوا إجراء عمليات تحري في حوادث الاختفاء المتتالية، لمعرفة من قُتِل وكيف، ومنْ قام بقتلهم. لكنهم لم يتمكنوا من معرفة الأسباب أو العثور على أدلة كافية. كل ما تم العثور عليه من قبل رجالِ الشرطة أو المحققين هو بعض من الجثث المشوهة التي لم يستطيعوا التعرف على ذويها.

والجدير بالذكر أنه قال أحد مشعوذي القرن السابع عشر بأن ذلك الكوخ تقيم بداخله طاقات سلبية، وأرواح شريرة تحوم فيه منذ القِدم، وتؤذي كل من يدخله بمفرده. لقرون عدة ظل هذا الكوخ لُغزاً ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منه، أو حتى تجاوز العتبة بعد اختفاء كثير من مرتاديه عبر السنين، واحداً تلو الآخر، دون أن يتم العثور عليهم.

 

 

بالقرب من الكوخ توجد مقبرة يعمل فيها حفار قبور مسن، وبسبب طبيعة عمله في المقبرة كحفار وحارس، اعتاد على العمل في ساعات متأخرة من الليل، مما اضطره إلى سماع أصوات أنين الموتى داخل الكوخ. كانت الأصوات الصادرة مخيفة تصم الآذان من شدتها.

في البداية لم يكن يعرف ذلك الحفار العجوز مصدر هذه الأصوات. ظن أنه صوت قادم من أحد قبور الموتى. يوماً بعد يوم، كان حارس المقبرة يسترق السمع من القرويين والمارة المتجولون في الغابة بين الحين والآخر، وحينما ذكروا أن تلك أصوات الناس الذين قتلوا بوحشية في الداخل، أدرك الحفَّار أن مصدر الصوت كان أبعد بكثير مما كان يعتقد، إنه أنين ضحايا الكوخ.

في بعض الأحيان يرى الحفار ظِلاً شديد السواد في الفناء الخلفي للكوخ، يذهب ويأتي كما يشاء. في بعض الأيام، يبقى الظل الأسود ظاهراً لفترة زمنية طويلة بينما يختفي سريعًا في أيام أخرى. ويظهر ذلك الظل في كثير من الأحيان ليلاً، ولا سيما في الساعة الثانية بعد منتصف الليل. بقي السبب وراء ظهور الظل في تلك الساعة لغزاً لفترة طويلة من الزمان. 

أرادت دينا، التي تعمل كمخرجة أفلام وثائقية، أن تقوم بعمل فيلم وثائقي عن الغابات، وقد اختارت غابة غويدر. بينما كانت تتجول مشياً على الأقدام بين الأشجار الكثيفة، غربت الشمس وبدأ الظلام بالحلول تدريجياً. لسوء حظها، أضاعت دينا طريقها لأنها كانت متعبة من كثرة سيرها، ولم تستطع معرفة طريق العودة. بدون سابق إنذار، وجدت حفّار القبور أمامها، فشعرت برهبة.

"مهلاً، لا تخافي مني. أنا غير مؤذي." قال الحفار المسن ذو الشعر الرمادي واللحية القصيرة.

"لقد فقدت طريقي ولا أعرف درب العودة."  قالت السيدة بقلق شديد: "هل يمكنك مساعدتي في العثور على مكان ما للمبيت ليلاً؟"

"تعالي معي لأوصلك إلى مخرج الغابة." أجابها الحفّار.

 

 

بينما كانت دينا تسير برفقته إلى مخرج الغابة، حدَّثها الحفَّار عن الكوخ المريب وأساطيره منذ سالف العصر والأوان. التفتت دينا نحو الكوخ الملعون خلفها قائلة: "يبدو مخيفًا فعلاً."

"نعم، هذا صحيح." قال الحفار بشيء من الفكاهة: "ولكن أنا جاد. لا تقتربي أو حتى أن تفكري في الدخول!" حذَّرها بجدية.

"وماذا لو فعلت؟" تساءلت مرة أخرى بتعجب: "أعني ماذا سيحدث إذا فعلت ذلك؟ قد يفيدني هذا الكوخ في الفيلم الوثائقي الذي أقوم به حالياً."

"لا أستطيع أن أقول على وجه اليقين لكنه ليس بأمرٍ جيد. اعتاد كثير من الناس استكشاف المكان ولم يخرجوا منه على قيد الحياة." تكلم بصوت جاد.

"هذا غريب جدًا!" تعجبت دينا.

ابتعدا شيئاً فشيئاً عن الكوخ وبدأوا بالمضي قدماً. أثناء السير، انبهرت دينا بسحر وجمال الغابة مما جعلها تمسك بكاميرتها وتلتقط العديد من الصور الفوتوغرافية وأفلام الفيديو. بسبب انشغالها بالتصوير، ابتعدت عن المسار وفقدت الحفَّار الذي حاول إيصالها لطريق الخروج.

تلفتت يميناً ويساراً، ولكن الحفَّار قد اختفى نهائيًا بين الأشجار، والآن أصبحت بمفردها دون مساعدة.

تذكرت دينا حديث الرجل عن الكوخ فانتابها الفضول لأنه كان لديها اهتمام شديد بالعالم الآخر، العالم الخارق للطبيعة، وبالتالي فهي لا تزال ترغب في استكشاف ذلك المسكن الريفي على الرغم من تحذير الحفار لها. أرادت أن ترى لماذا يتجنبه الناس؟ ماذا هناك حقًا؟ ما هو سر غموض الكوخ؟

تجاهلت تحذير الرجل العجوز ومشيت بخطوات بطيئة حذرة نحو الكوخ، وبلمح البصر، هبت رياح ثقيلة قاتمة أمامها. انتابها الرعب قليلاً، ولكنها استمرت في السير باتجاه الكوخ. اقتربت وفتحت الباب فسمعت صرير يصدر منه.

في اللحظة التي تم فيها فتح الباب، وقع عينيها على بعض الدم المؤكسد المنسكب على الأرض. كان منظرًا يتقشعر منه البدن. الأثاث كان في غير محله، إذ أن المكان تعمه الفوضى. كان هناك مرآة مكسورة، ومصباح مرمي على طاولة غرفة المعيشة. كانت هناك صور عشوائية بالأسود والأبيض لأشخاص مختلفين على الحائط. بدوا مثل صور عائلية لكنها لم تتمكن من تحديد الملامح. كما كان هناك سائل منسكب من زجاجة على الطاولة. بدا لها وكأنه مشروب غازي، وكان هناك دخان لا يزال يتطاير من سيجارة موضوعة على مطفأة سجائر قديم. "هل قام شخص ما بالتدخين داخل الكوخ للتو؟" أخذت تفكر إن كان هناك أحد دخل الكوخ قبلها.

الكوخ لم يكن يتكون من غرفة معيشة واحدة فحسب، بل كان هناك باب وسلم يؤدي إلى قبو مظلم. بسبب ظلامه الدامس، لا يستطيع المرء معرفة عمق القبو. الباب المؤدي إلى الطابق السفلي كان مفتوح قليلاً.

 

 

بدأت تشعر دينا بالاشمئزاز من المكان وتريد الخروج، لكنها لم تتمكن من فتح باب الخروج. لقد أصبح مقفلاً بفعل قوى خارقة، فشعرت بالذعر للحظة. هي لا تعرف ماذا تفعل؛ لم يكن هناك مخرج. لم تستطع حتى فتح النوافذ، فكانت مغلقة بإحكام. لم ترد أن تسجن هنا بدون طعام أو شراب، وبدون أي منفذ.

بما أنه كان مصيرها البقاء في الداخل، قررت استكشاف المكان. أرادت أن ترى ما كان موجود في الطابق السفلي. فتحت باب القبو، ونزلت السلم ببطء، لعلها تجد مخرج من هذا المأزق. لم تتمكن من رؤية نهاية السلم لأن القبو كان فاحم السواد، لكنها قررت النزول.

في منتصف طريقها إلى الأسفل، تم إغلاق باب السرداب وإقفاله أيضاً. يبدو أنها ستكون مسجونة ليس فقط في مكان مريب، ولكن أيضاً في الظلام. بدأت دينا بالصراخ، وبقيت بدون حراك في مكانها من شدة الذعر. ضاقت أنفاسها وأصابتها حالة هستيرية. فجأة، حام بجانبها دخان أبيض اللون يبدو كالشبح الذي يظهر على هيئة روح لشخص متوفي. كان الشبح على هيئة رجل سيئ المظهر، ملابسه ووجهه ملطخة بالدماء، وشعره طويل ومجعد.

لم تعرف دينا أن القبو ما هو إلا غرفة للموتى الذين دخلوا هنا في الماضي. هل من الممكن أن يكون قد حان دورها لتموت؟ وأن تبقى جثتها في تلك الغرفة؟

بدأت تسمع صوتًا يهمس ويدعو اسمها من الأسفل: "دينا، دينا! هيا تعالي للأسفل!"

ما زاد في حيرتها هو كيف عرف الشبح اسمها؟

 كيف ستنزل إلى الأسفل عندما لا تستطيع حتى أن تتحرك من رعبها؟ ولماذا تطيع ذلك الصوت الهامس؟

في لحظة، تذكرت أنها أحضرت مصباح صغير في حقيبتها. بسرعة أدخلت يدها في جيب حقيبتها وأضاءته، ثم ذهبت ببطء وحذر إلى الأسفل.

الآن وجدت دينا نفسها في غرفة باردة كبيرة مليئة بالرفوف والجثث المشوهة، بعضها مغطاة بأغطية بيضاء شبه رمادية من الغبار، وكانت رائحة الغرفة كريهة.

رأت دينا ظل على الجدار وتساءلت في حيرة، هل كان ظلها هو المنعكس أو ظل أحد آخر؟  تسمرت في مكانها من الخوف، لكن بعد فترة تحلت بالجرأة اللازمة لتتحدث إليه. لم تكن تعرف دينا أن لديها قوى تمكنها من التحدث إلى العالم الآخر.    

بدأت بالتساؤل: "من أنت؟ ولماذا أنا محبوسة هنا؟"

"أنت ليس مرحباً بك هنا،" قال الظل في صوت أجش.

- "ما الذي تقصده؟"

حاولت دينا أن تخطو خطوة أخرى لكن الصوت تحدث مرة أخرى: "أنت محاصرة هنا! سوف نقضي عليك!"  

 

 

وبعدها امتلأت الغرفة بدم أسود اللون يتساقط من على الجدران الأربعة. بدأت دينا تسمع أنين الموتى، وكان ذعرها قد وصل لذروته. وضعت يديها على رأسها وقالت بشكل هستيري:

"يا للهول! لا! لا!!"

اقترب الدم الأسود حتى وصل لقدميها. حاولت الإبتعاد عنه، لكنها عرفت أنه لا مفر منه، كانت محاصرة بالفعل. بدأت بالبكاء بشدة وصرخت بهستيرية: "قل لي ماذا تريد مني؟! لماذا تفعل هذا بي؟"

تكلم الصوت الشبحي مرة أخرى: "يجب أن يتم تعذيبك ثم قتلك! لم يكن عليك الدخول إلى هذا المكان. كل من يقصد هذا الكوخ مصيره التعذيب والموت كما قام والدي بتعذيبي وقتلي."

الحقيقة هو أن ذلك الشبح الذي يحوم بالداخل كان يفعل ذلك لزوار الكوخ عمداً وبدافع الإنتقام مما حدث له من تعذيب وجلد حتى الموت من قِبل والده.

"ماذا؟! لقد كان خطأ! أرجوك دعني أذهب!! أرجوك!" توسلت دينا.

"لا!!" صاح الصوت: "لا يوجد شيء اسمه خطأ! لقد فعلت ذلك عن عمد."

فجأة بدأ صوت الشبح يرتفع مع أصوات أخرى: "هذا هو مكاننا، وهذه هي مملكتنا، ونحن نفعل بضيوفنا ما نشاء!"

لم تستطع دينا أن تتوقف عن البكاء وأصبحت تأخذ أنفاسها بصعوبة تامة. بكت في صمت الآن، ونظرت إلى الدم الأسود الذي يجري حول غرفة الطابق السفلي دون أن ترمش عينيها. كان هناك رائحة كريهة منه أيضاً، علمت أن هذه ستكون نهايتها. الشبح المضطهد وإخوته الأرواح الشريرة الأخرى في كوخ الغابة، ستسيطر عليها وتعذبها كما عذبوا العديد من الأرواح على مر السنين والعصور...ثم تقتلها...

بدأ الدم الأسود بالتزايد بالقرب منها، وحتى السيلان من فمها. وفي نفس اللحظة، أصبح جسدها مخدرًا وأبيضًا شبحيًا. لم تستطع في هذه الأثناء أن تشعر بسيقانها ولا ذراعيها. لقد جفت دموعها، ونبضات قلبها أخذت تبطئ شيئًا فشيئًا.

بدأت تسعل الدم الأسود من فمها، ومن ثم وضعت رأسها على الأرض وسقطت ميتة، وأصبحت الآن جثة هامدة مثل بقية الموتى في هذا الكوخ الغامض.

If you like the stories and would like to be notified when a new story comes out, fill the below form:

Related Articles

Toyota Stories
13 March, 2019

أمنية

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".
Toyota Stories
09 April, 2019

من هي آتما ؟

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".
Toyota Stories
13 June, 2019

البعد الخامس

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".
Toyota Stories
10 July, 2019

ميداء

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".