11 October, 2018

أمنية

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".

قصة من كتابة: ولاء الصفدي

 

الرسامة أمنية تطبع لمساتها بفرشاة ملطخة باللون الأصفر، لتضيف شمس ضخمة على جدار غرفتها. فجأة، بلمسة سحرية، انشق الجدار أمام أعينها وكأنه فضاء شاسع يتآكل إلى العدم، ويتحول إلى ثقب أسود. قفزت أمنية إلى الخلف خائفة من أن يمتصها الثقب إلى موتها الحتمي.

لكن بعد ثوان عديدة، خرج نور ساطع لمع في عينيها وحين أبصرت رأت شيئ غريب كأنه فجوة كونية، بوابة إلى عالم آخر. أمنية متفاجئة من هذا الحدث الخارق، لا تعلم ماذا تفعل حياله، وتتساءل إذا كان هذا حقيقي أو من نسج خيالها.

قررت أمنية بدافع الفضول أن تمد يدها للفجوة، فشعرت كأنها اخترقت الجدار! بشكل لا إرادي، دفعها جسدها للقفز في الفجوة فوقعت في بعد آخر، وبدأت تهبط بشكل لولبي متذبذب دون جاذبية...  فهمست: "هل هذا يعني أنني من عداد الموتى الآن؟ وما هذه الفجوة إلا مرحلة انتقال للحياة الأخرى؟"

فإذ بها تجد نفسها في مدينة مختلفة وطريق طويل وواسع. تلفّتت يميناً ويساراً وقالت مندهشة: "لقد عرفتها، إنها باريس، نفس الصورة المعلقة على جداري!"

من الصدمة، جمدت في مكانها في منتصف طريق "الشانزليزيه" -Champs-Élysées- في  مدينة جديدة وثقافة مختلفة وأشخاص لا يتحدثون بلغتها.

بارتباك وخوف شديد، حاولت طلب المساعدة بلغتها العربية ذي اللهجة الحجازية ولكن لا أحد يفهم ماذا تريد أو تعني. انتابها القلق وأصبحت ترتجف وتدور حول نفسها، ولم تعد أقدامها قادرة على حملها، فجلست على الرصيف تتذكر كيف فتحت الفجوة وتسترجع خطواتها لتخرج نفسها من هذا المأزق.

تذكرت الشمس التي رسمتها على جدار غرفتها وحينها أدركت ضرورة العثور على أدوات للرّسم لعلّها تستطيع الرجوع إلى غرفتها.

تجوّلت في طرق باريس المكتظة بالفنّانين، ووجدت فناناً يرسم مجرّة فضائيّة على إحدى الجدران ويرتدي ملابس مبقعة بالألوان، فهرعت إليه طالبة المساعدة، محاولة أن تشرح له كم هي في حاجة ماسة للألوان والفرش وتشير إليها، وبعد وقت طويل من الحوار والشرح بالإيماء، فهم وأعطاها ما أرادت.

هرعت ترسم في الأرض دوائر متداخلة، وقرار العودة لغرفتها عالق في ذهنها ودموعها منهمرة على وجهها والخوف بادٍ عليها، فتجمّع بعض المارة حولها محاولين مكالمتها ومساعدتها، لكن أمنية في حالة هلع. بعد عدة محاولات تحولت الدوائر لفجوة، ونجحت في خلق البوابة، ثم هبطت في غرفتها في جدة.

لم تصدق ما حدث معها، هل هو واقع أم خيال؟ هل هي في حلم أم حقيقة؟ أجهدها التوتر من التفكير وإذ بها تغفو منهكة القوى على سريرها.

وفي اليوم التالي استيقظت أمنية مع صداع خفيف في الرأس، ومكثت في سريرها مرهقة وقالت: "ما هذا الحلم الغريب؟"

وقع نظرها، على الحائط المقابل لسريرها وتمعنت في مجموعة الصور الفوتوغرافية لمدن الثقافة والفن التي أهداها إياها أخوها أحمد في عيد ميلادها، ومن بينها صورة باريس، فهمست: "اممم.. غريب.."

دخلت أمها الغرفة، حاملة كوب من الحليب، قائلة: "لقد استيقظتي! حسناً، تعالي إلى المطبخ لتناول الفطور معنا."

نهضت أمنية لتبدأ روتينها الصباحي باحتساء مشروبها المفضل الشوكولاتة بالحليب الساخن، ثم انضمت إلى عائلتها في المطبخ. جلست على طاولة الطعام وتذمرت: "لما لا يوجد أي شيء في هذا المنزل غير البطاطس والبيض!؟ لقد تناولنا نفس الطبق أمس!"

نظرت إليها أمها مثبطة: "الحمد لله على النعمة، يجب عليك شكر الله وحمده على ما أمنّه علينا من النعم، على الأقل قبل التذمر اليومي الذي تأتين به إلى هذه المائدة!"

أكمل أحمد أكله ولم يكترث لحديثهما، نظرت أمنية إليه مفكرة  "هذا كله لأنك عاطل عن العمل لا تفعل شيء سوى الأكل والنوم!"

أخذت أمنية لقمة من قوتهم المعتاد وقالت: "بسم الله"

بعد مساعدة أمها في التنظيف، ذهبت إلى المدرسة التي تعمل فيها كمدرسة رسم، ولكن حلمها الغريب لم يفارقها.

جلست أمنية منزوية في غرفة المعلمات لتأكل غداءها، اقتربت منها إحدى زميلاتها: "كل يوم بطاطس وبيض" قالت ضاحكة، " كل هذه النشويات وأنت لا تزدادي في الوزن، لماذا جسمك نحيل إلى هذه الدرجة؟"

تنهدت أمنية ثم قالت: "ماذا تريدين يا علية؟"

  • "أمازحك فقط كالمعتاد! على أي حال... ماذا ستفعلين في عطلة الربيع؟"
  • "لا أعرف!"
  • "زوجي حجز لنا رحلة إلى ماليزيا، ووعدني بشهر عسل ثاني! واو يا أمنية، أنا متحمسة جداً!"
  • "مبروك." أجابتها أمنية وأكملت أكلها.

عند رجوعها إلى المنزل، همّت بترتيب غرفتها وإذ بها تلتقط فرشاة من الأرض لوضعها في مكانها المعتاد… فمرّ أمام أعينها شريط أحداث الليلة الماضية، فقذفتها بذعر.

" يا إلهي… إنها نفس الفرشاة التي رسمت بها الشمس الذهبية أمس.." قالت مندهشة.

التفتت لترى رسمة الشمس على جدار غرفتها فوجدتها غير مكتملة، وحينها أدركت أن هناك خطب ما: "لعله ليس مجرد حلم!" فهي لم تبدأ برسمة إلا وأكملتها. فالتفتت إلى صورة باريس حائرة ودفعها فضولها لالتقاط الفرشاة مرة ثانية وغمستها في اللون الأصفر المذهب، ثم ذهبت إلى الحائط بخطوات ثقيلة.

وبمجرد رسمها لشعاع ذهبي آخر، محاولة إكمال الرّسمة، شعّ من الجدار بريق أغمض عينيها، وعندها قالت "يا الله، بعدٌ آخر!"، أخذها الحماس لتدخل بسرعة إليه، فوجدت نفسها في فيينا -عاصمة أخرى للفن والجمال. تمسكت بفرشاتها بقوة مدركة أنها وسيلتها الوحيدة للرجوع إلى جدة، وبدأت تتجوّل لتستكشف المدينة، فهنا مقاهي مفعمة بالحياة وهناك تماثيل ومعالم أثريّة وموسيقيّون متجوّلون يتجمع حولهم المارّة. انسجمت بأجواء فيينا وأخذت تجوب شوارع المدينة براحة واسترخاء، مدركة القدرة الخارقة التي تستطيع بها الرّجوع إلى جدّة حين تشاء.

أثناء مرورها في أحد الأحياء القديمة، وجدت بعض الرسامين يجمّلون الجدران بألوانهم ورسوماتهم الضخمة، فشاركتهم الرسم لتترك بصمتها هناك وأكملت تجوالها واستعراض فنّها على كل ما تقع عليه عينيها، من أوراق وجدران، حتى أكواب القهوة الفارغة فحولتها لتحف فنية جميلة لتخلد على الطاولات، مدهشة كل من رآها من رواد المقاهي والمارة.

مر الوقت دون أن تشعر به وحل الليل، أخذت فرشتها وبدأت برسم دوائر على الأرض لترجعها إلى غرفتها، وهناك اندسّت في فراشها لتنام، وقالت: "ستكون أفضل عطلة ربيع!"

في صباح اليوم التالي، استيقظت نشيطة متحمسة للمكان التي ستأخذها فرشتها إليه. شربت كوبها المفضل كالمعتاد ولكن بسرعة، والتقطت فرشتها وشكرت الله على قدرتها الخارقة التي أنعم بها عليها، وهرعت إلى الحائط، وإذ بها في مدينة جديدة، سماء جديدة، أرض جديدة.

عند هبوطها في غرفتها، سمعت أمها تكلم أخوها أحمد بصرامة: "أين كنت يا أحمد؟" 

رد عليها أحمد باستياء: "كنت مع أصحابي جالسين في الدّيوانية."

  • "إلى هذا الوقت؟"
  • "أين المشكلة يا أمي؟ هذه ليست أول مرّة أتأخر."

بدأت المشاجرة بينهما وانهالت عليه بكلمات قاسية وبصوت عالٍ فرد مقاطعاً إياها:

"كفى يا أمي كفى، اهدأي! تأخيري لا يستحق منك كل هذا."

ترد الأم: "نعم، يستحق! متى ستكبر وتصبح رجلاً وتساعد أختك في مصاريف البيت!"

  • "أنا رجل!" صرخ أحمد.

أخذت أمنية فرشتها وانتقلت بها إلى روما، وهناك شعرت بالجوع الشديد. أدركت أنه ليس لديها أي نقود ولكن لم تكن تحتمل جوعها، لذا عند عبورها قرب إحدى المطاعم الإيطالية، دخلت وطلبت الطعام. ثم عند انتهائها من الأكل، ذهبت إلى الحمام، وهناك فتحت البوابة ورجعت إلى منزلها لتنام.

جلست في سريرها تلك الليلة تفكر: "هذا من حقيّ، عائلتي فقيرة، لعل هذه القدرة الخارقة وسيلة لمساعدة أمي."

في اليوم التالي، استيقظت أمنية وذهبت للتبضع حول العالم، وجلبت إلى البيت خبز فرنسي، ولحم إيطالي، وخضار أفريقية، وفاكهة آسياوية. "ما هذا كله يا أمنية!؟" تعجبت أمها.

  • "الإدارة زادت راتبي الشهري وأعطوني إضافة بمناسبة العطلة الربيعية!"
  • "أحسنت يا ابنتي، انشاء الله ستصلين إلى أعلى المراتب!"

شعرت أمنية بالذنب، ولكنها كانت سعيدة بفرحة والدتها. بعد ذلك، أخذت أمنية بممارسة السرقة لإحضار متطلبات البيت. وفي ذات يوم ذهبت إلى متحف اللوفر في فرنسا، فهي اعتادت على زيارة المتاحف لتتمعن في الفن في ساعات متأخرة من الليل. حينها، كانت تقف أمام  لوحة  المونا ليزا من تحف الفنان ليوناردو دا فينشي، وفي لحظة مشؤومة، سرقت اللوحة ورسمت مكانها شمس ذهبية، وسارعت في الرجوع إلى منزلها في جدة، ثم أخفت اللوحة تحت سريرها.

في الصباح، ذهبت لتجلس مع أمها، وإذ بخبر عاجل على التلفاز: "لقد تمت سرقة لوحة المونا ليزا ليلة أمس، الشرطة لم تعطي أي تقرير حتى الآن، والتحقيقات جارية، ولقد علمنا من مصادر داخلية، أن تم القبض على رجل مشتبه من أصول عربية، كان يجول المتحف الليلة الماضية."

شعرت أمنية بغثيان وألم حاد في المعدة، نظرت إلى أمها، وبسرعة ركضت إلى غرفتها، وأمسكت فرشتها، فاكتشفت أنها لم تعد قادرة على خلق بوابة.

فقدت أمنية قدرتها الخارقة ومهما حاولت لم تستطع أن ترجع اللوحة، فأخذت تتخبط بمشاعر قلق واضطراب، فهي لم تريد إيذاء أي أحد.

حنت لنفسها القديمة، حنت للاستقرار ولمنطقتها وعالمها الدافئ المستثني من أي ذنب وإثم. حاولت مرة أخرى، ممسكة لوحة المونا ليزا، وحينها نجحت المحاولة، ووجدت نفسها في المتحف. سمعت أصوات الشرطة تقترب إليها، فتركت اللوحة وقفزت في البوابة مسرعة إلى غرفتها.

عند هبوطها رمت الفرشة وخارت قواها ثم وقعت مرتطمة بقوة على الأرض، وبدأت بالتشنج والبكاء. عندها أدركت أمنية، أن مهمتها مساعدة الناس، فالقوة الخارقة هي ليست فقط لها بل لكل محتاج.

همّت واقفة وانحنت للإمساك بالفرشاة مرّة ثانية، مثبّتة الريشة على الأرض لترسم دائرة حول نفسها متلهّفة ومسرعة. وقفت أمنية في نصف الرّسمة تفكّر بالذهاب إلى أحياء باريس العشوائية التي هي منزل للاجئين من أصول شرقية. لن تكف عن السرقة، ولكن الآن هدفها أصبح أسمى.

If you like the stories and would like to be notified when a new story comes out, fill the below form:

أمنية

Related Articles

Toyota Stories
09 April, 2019

من هي آتما ؟

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".