13 June, 2019

البعد الخامس

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".

قصة من كتابة: سارة طاهر

في عام 1945م

ودَّع رُكاب سفينة (لا ديمي) عائلاتهم، النساء يلوحن بأيديهن، والرجال رافعون قبعاتهم، ورحلة طويلة في انتظارهم في أعماق المحيطات.

كان الشاب (جورج)، ذو الخمس والعشرون عاماً، قد قرّر السفر باحثاً عن حياة جديدة من وراء المحيط، فلم يتبقى له شيء بعد وفاة والديه، وخسارة منزله في رهانٍ سخيف.

تمعن جورج في صورة والدته قائلاً: "لم أعد أملكُ شيء، لا شيء سوى صورتك، أعدك يا والدتي أني سأعود يوماً ما!"

ثم قبّل الصورة ووضعها في جيبه.

 

 انطلق صوت صفارةٍ قوي معلناً تحرك الباخرة، بسماء صافية، وقمر مكتمل، لا يمكن لأي قبطان أن يتمنى ظروفاً أفضل من هذه.

في قلب السفينة كان الجميع يتناول العشاء، وفرقة موسيقيّة تقوم بالعزف، والأطفال يركضون هنا وهناك. فجأةً شعر الجميع باهتزازٍ قويّ، بدأ الصراخ وتعالت الأصوات بالدعاء والإستغاثة.

ارتعد جورج وتوجه لإحدى النوافذ: "ما الذي يحدث؟ يبدو أنّنا على وشك الغرق! يجب عليَّ أن أجد قوارب الإنقاذ!"

خرج من صالة العشاء، لكنه لم يستطع الإبتعاد كثيراً، فالسّفينة تتخبط والأمواج عالية. بالرغم من خوفهِ الشديد، استعجب جورج: "نحن نغرق بشكلٍ دائري، وكأنما دوامة تقوم بسحبنا للأسفل!"

 البحر الأسود بدأ يتحول للون الأبيض، وانبثق نورٌ ساطع يؤلمُ عينيه: "النور قوي جداً، يا إلهي! يبدو أنها النهاية!"، صرخ جورج واضعاً يديه على عينيه.

لم يكن هناك وقت للتفكير، فالأحداث تجري بسرعة، وتتزايد سُرعةُ غرق السفينة، فيسقط جورج مصطدماً بأحد الأعمدة.

لم يستطع جورج التركيز والتماسك أكثر من شدة الألم: "الصورة.. أين صورة والدتي؟"، ثم سقطَ مغشياً عليه.

 

 

استيقظ جورج ووجد نفسه في مدينة عجيبة: "ما هذا المكانُ الغريب؟! أين أنا؟! هل أنا ميت؟! يا إلهي، هل هذا عازف موسيقى؟! سيدي، أرجوك! أين نحن؟! ما الذي حدث! لماذا تتجاهلني؟ لماذا لا تقوم بالرد علي؟!"

العازف اتجه للأمام دون أي ردة فعل بالرغم من استغاثة جورج به: "ألا تسمعني؟ انتظري، أليست تلك السيدة التي كانت بجانب غرفتي؟ نعم، إنكِ والدة الأطفال الثلاثة! أرجوكِ، أخبريني أين نحن؟! لماذا لا يلتفت لي أحد؟! لماذا؟!"

حاول جورج أن يصرخ لكن شفتاه تتحركان دون أن يصدر منهما أي صوت فشعر باضطراب شديد، وأخذ يمشي في مكانه ذهاباً وإياباً. فجأة اصطدم به كائنٌ غريبْ، صرخ جورج وقام بدفع الكائن، ثم فر منه.

أحس بصداع شديد أثناء ركضه، فتوقف وأمسك رأسه، لكنه لم يستطع الوقوف أكثر فجثى على ركبتيه، وأخذ يحدث نفسه: "أين صوتي؟ لماذا لا أستطيع التحدث مع أحد؟ ما هذا المكان العجيب؟ ما هذه الكائنات الغريبة؟ نصفها إنسان ونصفها طائر، والبعض نصفها أسماك! حتى ركاب السفينة تغيروا وأصبحت ملامحهم أكثر حدة! يبدو أنني قد جننت، الجنون أكثر منطقية مما أنا فيه!"

نادته إحدى النساء مقاطعة هلعه: "هل أنت بخير يا سيدي؟"

نظر إليها جورج بتعجب، فنادته مرة أخرى: "سيدي، أنا حكيمة ومستشارة هذه المدينة، وكنت أراقبك منذ استيقاظك، لكن لا يبدو أنك تتأقلم مع واقعك الجديد!"

خاف جورج: "أي واقع؟!"

ردت الحكيمة: "هل ما تشعر به حالياً هو الضياع؟ ألا تحس بأي انتماء لهذا المكان؟"

زاد توتر جورج وبدأ صوته يرتفع: "لست أفهم ما حدث! كل الذي أتذكره هو تحول البحر الأسود إلى لونٍ أبيض مشع، ثم استيقظت هنا. ساعديني يا سيدتي، أرجوكِ! منذ استيقاظي لم يكلمني أو يلتفت لي أحد! لابد أنه كابوس، ولا زلتُ في السفينة. استيقظ، يا جورج، استيقظ!"

حاولت الحكيمة أن تواسيه: "يجب أن تهدأ يا جورج، المكان ليس مناسب لمثل هذا التصرف، تعال معي وسأشرح لك كل شيء."

 

 

في منزل الحكيمة شعر جورج بالدهشة والحيرة: "إنه منزلي الذي خسرته في الرهان!! لكن... هناك اختلافات بسيطة، في هذه الناحية كان هناك صورة والديَّ. تذكرت! صورة والدتي! أين صورة والدتي؟"

أدخل جورج يده في جيبه ولكنه لم يجد الصورة.

  • "يبدو أنك ما زلت هناك!"

  • "ماذا تقصدين؟"

  • "أريد منك أن تجلس هنا وتشاهد هذه البلورة البيضاء وسأعرض لك ما حدث."

جلس وهو يشاهد الحكيمة تحرك يديها فوق البلورة محدثاً نفسه بغرابة الموقف وغرابة تواجده في منزله وغرابة مظهر الحكيمة بشعرها الأحمر المجعد، وبالريش الأبيض فوق رأسها.

الحكيمة تجاهلت نظراته الغريبة: "هل أنت مستعد؟ أريد منك التركيز على البلورة حتى تستطيع مشاهدة كل شيء."

قام جورج بإيماء رأسه معلناً استعداده فأسردت الحكيمة في الكلام: "عندما كنتم في السفينة قمتم بالتعدي على إحدى البوابات الكونية للأبعاد وبالطبع لم نكن لنسمح بهذا! وبالرغم من أنكم دخلتم في بعدنا، البعد الخامس، لم نكن لنؤذيكم بأي طريقة، ولكن لابد لكل متعدي من عقاب، فهذه قوانين كونية ثابتة، سواء في البعد المادي أو في البعد البشري أو في بعدنا، البعد الآمن، وهو البعد المشترك لكل من يريد السلام من كل الكائنات."

ذهل جورج من هذا الكلام وظهر عليه عدم الإقتناع. استمرت الحكيمة بإظهار المشاهد في البلورة: "عندما قررنا سحب سفينتكم كعقوبة للتعدي، عملنا ما يشبه التنويم المغناطيسي بذبذباتٍ معينة، ذلك يفسر الدوامة، ولكن يبدو أن فقدانك للوعي قد أضعف أثر تلك العملية. لذا كل شيء قد رأيته أو سمعته فهو حقيقي، ولو قمنا بتخيير من كانوا معك في السفينة فسوف يختارون البقاء هنا على الرجوع لبعدكم البشري."

 

 

رد جورج: "أجد صعوبةً  في تصديق كلامك، يبدو أنك تريدين خداعي."

  • "هذا متوقع كونك آتٍ من بعد يوجد به الكذب والخداع، ولكن هنا لا يوجد سوى الصدق والمحبة والسلام."

  • "أعتذر، لم أكن أقصد إهانتك."

  • "لا عليك، ليس هناك داع للإعتذار فلا أحد يقوم بالحكم على ما تقول أو ما تفعل."

  • "والحل؟"

  • "يبدو أنك عالق بين البعدين، جسدك هنا ولكن عقلك وروحك في مكانٍ آخر، وهذا يفسر لما لا تستطيع التحدث مع أحد، فنحن نتواصل من خلال الروح، لكن استطعت ملاحظتك وسماعك لأنني أستطيع التواصل مع كل الأبعاد الكونية، فقط استرخي وستعود حيث كنت."

  • "إلى أين؟ السفينة، أم إلى مدينتي السابقة؟"

  • "يجب عليك أن تهدأ، فالتشكيك مرفوض، فقط تقبل واقعك وكل شيء سيكون على ما يرام."

خرجا من المنزل وأخذا يمشيان حتى شعر جورج بأنه يطفو في الهواء، فأحس بالخوف: "ماذا يحدث؟"

شدت الحكيمة على يديه ووضعت يدها الأخرى على قلبه وابتسمت، وكأنها سيطرت على عقله، شعر بارتياح واستسلام غريبين. استمر جورج يطفو ويرتفع للأعلى، حتى ترك يديها وأخذ يتابعها بنظراته حتى اختفت، واختفت معها تلك المدينة، ودون مقدمات وجدَ نفسه داخِل دوامةٍ بيضاء وأخذتْ تتحول للون الأسود من حوله، وفي لحظة وجد نفسه في قارب صغير ممسكاً بريشةٍ بيضاء، في بحر غريب لا شاطئ له بتياراته الضعيفة، وأعشابه الطافية على سطحه وكأنها تضاريس فوقَ البحر. استمرَ يُبحر هناك عدة أيام دُون أن يشعر بأي جوعٍ أو عطش، حتى وجدته إحدى السفن الضخمة، وأنقذه طاقم السفينة وقاموا بتدفئته وإطعامه.

أغمض جورج عينيه بعد أن حكى لهم قصته: "وهذا الذي حدث معي."

رد أحد الرجال: "سفينة لا ديمي أبحرت قبل خمسون عاماً!!"

 

 

حملق جورج في حالة صدمة: "ما الذي تقوله؟! لقد أبحرت السفينة قبل يومين فقط!"

  • "إنك تكذب، نحن الآن في عام 1995م."

اندفع جورج غاضباً نحو الرجل محاولاً الإعتداء عليه: " أنا لست بكاذب، أنا أقول الحقيقة!"

تدخل بعض الرجال لفكّ الاشتباك.

كان القبطان يتابع ما يحدث أمامه بكل تعجب واندهاش محدثاً نفسه: "يا له من شاب مسكين، ما الذي أوصله لهذا الحال؟ وكيف ضاع في المحيط؟"

أمر القبطان البحارة بصوت عالي: "اتركوه وشأنه! دعوه يرتاح! يبدو أنه قد عانى الكثير حتى أنقذناه، لا بد وأن ذلك قد أثر على إدراكه!"

***

قاموا بتسليمه لحرس الحدود فور وصولهم لليابس، ثم أحيل للطب النفسيّ. بدأ جورج يشكُّ في نفسه عندما رأى صدق مرور خمسونَ عاماً: "كيف أختفي ليوم واحد في مدينة عجيبة، ثم أعود لأجد نفسي في عام 1995م؟!"

شخص الطبيب المشرف على حالته بأنه مصاب بانفصام شخصية: "مع أنني لست مقتنعاً تماماً بذلك، لكن لا شيء يمكن تفسير قصة اختفائه في أعماق المحيط في مدينه عجيبة لمدّة خمسون عاماً! والأغرب أنه لم يكبر يوماً واحداً حسب كلامه! لابد أنه منتحلٌ شخصيةِ أحد ضحايا غرق سفينة (لا ديمي)."

 

 

داخل غرفته في المستشفى النفسية، أخذ جورج يحدق في السقف ممسكاً بريشته البيضاء. دخل إليه أحد الممرضين: "كيف تشعر اليوم؟"

  • "أشعر ككل يوم: لا شيء جديد."

  • "تفضل، هذه صحيفة اليوم."

  • "لا أعتقد أن هناك شيء يستحق القراءة."

  • "أظن أن هناك شيء سيلفت انتباهك في الصفحة الأولى، أراك لاحقاً."

خرج المُمَرض، وقبل أن يغلق باب الغرفة قال: "أنا أصدقك، يا جورج، لا تنسى ذلك!"

أخذ جورج الصحيفة وعينيه تنهمر بالدموع. تنهد جورج، وبصوت متقطع، أخذ يقرأ ما كُتب في الصحيفة.

"العثور على سفينة مفقودة منذ أكثر من خمسون عاماً، والعجيب أنها لازالت على هيئتها الأصلية، حتى أن فناجين القهوة ما زالت ممتلئة، وأمتعة الركاب ما زالت في مكانها، رغم خلو السفينة من أي شخص!  وقد أرفقنا في هذا المقال بعض الصور."

أخذ جورج يبكي أكثر عندما رأى في الصحيفة صورة والدته، التي كانت بحوزته يوم غرق السفينة، ملقاة في نفس المكان الذي فقد فيه الوعي.

قام بتقطيع الصحيفة بيديه للحصول على صورة والدته، قَبَّلها ووَضعها في جيبه، ثم أمسك ريشته وعاد للتحديق في السقف.

يرجى تعبئة النموذج في حال رغبتك بإبلاغك فور نزول قصة جديدة

مقالات ذات صلة

عالم من القصص
13 March, 2019

أمنية

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".
عالم من القصص
09 April, 2019

من هي آتما ؟

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".
عالم من القصص
12 May, 2019

الظل الأسود

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".
عالم من القصص
10 July, 2019

ميداء

عبداللطيف جميل ومجتمع جميل يطلقان حملة "عالم من القصص" لدعم الكتاب السعوديين الشباب في نشر أعمالهم. ونسعى من خلالها إلى المساهمة في رفع وعي المجتمع بأهمية الجانب الأدبي في حياتنا، فضلاً عن التأكيد على جمالية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب مختلف الموضوعات، بما في ذلك فئة الخيال العلمي التي تتطلب ثراء في المصطلحات، وغنى في التعابير وبالتعاون مع "ألف كلمة".